عبد الوهاب الشعراني
37
تنبيه المغترين
كعب الأحبار رضي اللّه عنه يقول في قوله تعالى : [ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ] « 1 » ، قال : كان يقول أوه قبل الوقوع في النار ، أوه قبل أن لا ينفع أوه ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : أبى اللّه إلا أن يذل من عصاه في الدنيا والآخرة بين الناس ، وما أذنب عبد في الليل إلا وأصبح ومذلته على وجهه ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : في قوله تعالى : [ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ] « 2 » ، ضجوا من الصغائر قبل الكبائر . وكان العوام بن حوشب رحمه اللّه تعالى يقول : أربع بعد الذنب شر من الذنب وهي الاستغفار من غير إقلاع ، والاغترار بحلم اللّه ، والإصرار والاستبشار بالمغفرة إذا عمل بعده طاعة فقد لا يغفره اللّه بها ، وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول من أطاع اللّه فقد ذكره وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصاه فقد نسيه ، ومن علامة العلماء العاملين بعلمهم أن لا يوجد أحدهم إلا في عمل صالح ، وقد سئل سفيان بين عيينة رحمه اللّه عن الملائكة كيف تكتب ما هم به العبد ولم يعمله ، فقال : الملكان الكتابان عليهما الصلاة والسلام لا يعلمان الغيب ولكن إذا هم العبد بحسنة فقد فاح منه رائحة المسك فيعلمان أنه قد هم بالحسنة ، وإذا هم العبد بالسيئة فاح منه رائحة النتن فيعلمان أنه قد هم بالسيئة . ( قلت ) : ولعل المراد بالهم هنا العزم المصمم ليوافق الأحاديث والقواعد الشرعية واللّه أعلم ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى يقول : إن اللّه أمر بالطاعة وأعان عليها ولم يجعل في تركها عذرا ، ونهى عن المعصية ولم يجعل فعلها حجة ولو أراد سبحانه أن لا يعصى في الأرض أصلا لما خلق إبليس فإنه رأس الخطيئة ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى يقول : ما أحب المتقون البقاء في هذه الدار إلا ليطيعوه فيها ، وكان يقول : أدخلهم اللّه الجنة قبل أن يطيعوه وقدر عليهم المعصية قبل أن يعصوه لما سبق في علمه عز وجل ، وقد كان بشر الحافي رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركنا الناس ولهم أعمال صالحة كالجبال ومع ذلك كانوا لا يغترون وأنتم لا أعمال لكم ومع ذلك تغترون ، واللّه إن أقوالنا أقوال الزاهدين وأعمالنا أعمال الجبابرة والمنافقين . وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : إذا عصيت ربك وأصبحت رأيت نعمه سابغة عليك فاحذر فإن ذلك استدراج ، وقد أدركنا السلف وهم يستعظمون صغار الذنوب
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 114 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 49 .